الطوارئ الغائبة في زمن سقوط الموصل..والحاضرة في زمن الاستقرار..!

ضياء ابو معارج الدراجي

في حزيران من عام 2014، واجه العراق أحد أخطر المنعطفات في تاريخه الحديث بسقوط مدينة الموصل، ثاني أكبر مدنه، بيد تنظيم داعش الإرهابي.

مثّل هذا الحدث نقطة تحوّل مصيرية كان من الممكن أن تبرّر، بل وتوجب، إعلان “حكومة طوارئ” حقيقية تُعطى فيها القيادة العسكرية والسياسية صلاحيات استثنائية لحماية الدولة من الانهيار التام.

في ذلك الوقت، كان رئيس الوزراء نوري المالكي يمتلك السلطة الدستورية والمشهد النيابي يتيح له هذا الخيار، كما أن العديد من مستشاريه الأمنيين والسياسيين عرضوا عليه هذا الحل لإنقاذ ما تبقى من الدولة.

لكن المالكي رفض ذلك الاقتراح بشكل واضح وحاسم، وقال: “إعلان حكومة طوارئ في ظل هذا الانقسام الشيعي على رئاسة الوزراء بعد نتائج انتخابات ٢٠١٤ سيفجّر الوضع داخل مدن الجنوب والوسط، وستنتقل المعركة من الموصل والأنبار إلى بغداد والبصرة وكربلاء.”

كان قرار المالكي بالتنازل عن رئاسة الوزراء، في جوهره، تنازلاً عن السلطة لأجل تفادي حرب أهلية شيعية شيعية كانت ستقضي على ما تبقى من الدولة ، ولأجل الحفاظ على وحدة الصف الشيعي في معركة باتت وجودية رغم الاختلاف السياسي.

العجب العجاب أن نسمع اليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات، وفي ظل حكومة يرأسها محمد شياع السوداني، العراق فيها يعيش أكثر فتراته السياسية والأمنية استقرارًا، أن يخرج علينا أحد مستشاري رئيس الوزراء بتغريدة يلوّح فيها بـ”حكومة طوارئ” بحجة الصراعات الدولية والتحديات الإقليمية.

العراق اليوم مستقر أمنيًا، منفتح اقتصاديًا، يحظى بدعم إقليمي ودولي، ولديه علاقات متوازنة مع كل الأطراف، ومؤسسات دستورية فاعلة. لا انهيار، لا تهديد مباشر، لا تنظيم إرهابي يسيطر على المدن، لا خلاف شيعي حاد، ولا بوادر فتنة أهلية.

بل إن المرجعية الدينية العليا نفسها، وهي صاحبة الكلمة المسموعة وقت الشدة، قد طمأنت الناس في خطبة العيد الأخيرة، وأكدت أن العراق بخير، وأن الاستقرار هو السائد رغم التحديات الخارجية. فهل هناك مرجعية أعلى من صوت النجف عندما يتعلق الأمر بمصير العراق؟

فما الهدف من طرح مثل هذا المصطلح الخطير الآن؟

هل هو تمهيد لقرارات استثنائية؟

هل هو غطاء لقمع معارضين سياسيين؟

أم محاولة لتضخيم الأخطار من أجل تمرير أجندات أو تطويع الشارع؟

إن استخدام مصطلح “الطوارئ” خارج ظرفه الطبيعي هو تلاعب خطير بمشاعر الناس وثقة الشارع، وتهديد مباشر للنظام الديمقراطي الذي دفع العراقيون دماءهم لبنائه.

مثل هذا الطرح يُفقد الدولة توازنها، ويزرع الشك في نوايا من يتصدرون المشهد، ويعطي ذريعة للفوضى بدلاً من مواجهتها.

حين كانت البلاد تحترق والمدن تسقط والدولة تنهار، رفض القائد العام للقوات المسلحة في ذلك الوقت، المالكي، إعلان الطوارئ درءًا لفتنة داخلية. واليوم، حين يسود الاستقرار النسبي، ويُطمئن الشعب من أعلى مرجعية في البلاد، نجد من يدعو للطوارئ كأنما ينفخ في نار غير موجودة.

العراق لا يحتاج إلى طوارئ بقدر ما يحتاج إلى إدارة ناضجة، وقرارات متزنة، وابتعاد عن التصعيد المفتعل. فالطوارئ ليست لعبة سياسية، بل حالة دستورية تُعلن في أقسى الظروف، لا في التغريدات ولا في أجواء العيد.

ضياء ابو معارج الدراجي

المزيد من المشاركات
اترك تعليقا