توجد قراءات لمواجهة الأحداث في المنطقة، ولا سيَّما منذ حرب رمضان:
الأولى: تتجه إلى المواجهة الحكيمة مهما كانت الأثمان، انطلاقًا من أنّ الحرب مفروضة، وأنَّه لا خيار سواها .
والثانية: تتجه إلى بذل محاولات عميقة، قدر المستطاع، لعدم الانجرار خلف الصراع العسكري داخليّاً وخارجيَّاً وإقليميّاَ.
وتذهب آراءُ حكماءٍ آخرين إلى أنّ الجمع بين الاتجاهين هو الطريق الثالث الذي يؤمّنُ مستقبل الشيعة، من خلال خلق تكامل في المواقف وتبادل للأدوار، ذلك أنّ الأحداث فرضت أنْ يكون الشيعة ـ سواء من يذهب منهم باتجاه المواجهة، أو الحوار، أو الجمع بين المسارات ـ في واقعٍ واحدٍ، ومستقبل فاردٍ ، وأنّ النتائج ـ مهما كانت ـ ستشملُ الجميع،. فأيُّ جُزءٍ من مكان الصراع قد يفجّر مكامن الخطر على الجميع، أو يُنهي الصراع نحو مستقبلٍ آمنٍ للشيعةِ. فالمركب واحد، والجميع محشورون فيه.
ووفق هذه المقدّمة، نرى، ويرى الكثيرون، أنّ مستقبل المنطقة يتجه على النحو التالي:
أوّلاً – دول الخليج:
إنّ موقف الخليج وباقي الدول العربية بعد حرب رمضان، بحسب ما يظهر منها، يجمع بين إدراك أنّ أمريكا غيرُ قادرةٍ على حماية قواعدِها في المنطقة ، فضلاً عن حمايتهم ، وأنَّها دفعت ثمن علاقتها بامريكا الكثيرَ من أمنهم واقتصادِهم بحكم الجغرافيا والتشريك المفروض عليهم من قبل أمريكا. كما فكانتِ القواعدُ الأمريكيةُ التي كان الاعتقاد بأنّها توفّر لهم الحماية، كارثةً عليهم.
وهذا الواقع يفرض عليهم ـ أعني دول الخليج ـ أنْ يجمعوا بين الإبقاء على العلاقات مع أمريكا، المفروضة عليهم، وبين محاولة بناء شراكات إقليمية من خارج المحيط الشيعيّ، مع تخفيف حدّة التوتر، والابتعاد قدر الإمكان عن أنْ يكونوا في واجهة الحرب.
وهذا يعني أنَّ واقعاً إقليميّاً جديداً يتشكَّل، ويُلقي بظلاله على توجُّهات دول الخليج نحو التعامل مع القوّة الشيعية في المنطقة بوصفها أمراً واقعاً؛ لا يمكن للخليج تجاوزه، خصوصاً بعد عجز أمريكا عن حسم المعركة الآن أو مستقبلاً، وفق الاستشرافات الصادرة عن أطراف المقاومة المهمّة، والنابعة من تقييم الحرب، واثبات العجز الأمريكيّ عن تحقيق أيّ هدفٍ. (فلبنانُ): تبقى كما هي بين الحرب واللاحرب . (والعراق): يبقى في قلب الحريق مع محاولاته ألّا يحترق .(وسوريا) : لم تعد الدولة التي تواجه أخطاراً عميقةً .(وتركيا): متوترة مع الكيان الصّهيونيّ .(وإيران): تجمع بين شروطها في المفاوضات، وبين الاستعداد للحرب بكُلِّ الطاقات، ولا سيّما أنّها حدّثت الخطط، ونوّعت السلاح، ووسّعت في أحلافها الدولية؛ ليكون مضيق هرمز عامل الضّغط، وورقة القوّة في الحرب والسلم.أمّا العامل الاقتصادي، فتجري محاولات إقليمية ودولية لتخفيف تداعياته. وهذا الواقع يعتبره الجانب الإيرانيّ انتصاراً؛ لأنها تجاوزت أعلى التحديات العسكرية والسياسية والأمنية، وتحاول أنْ تسحب آخر ورقة من أمريكا في مواجهة الضغوط الاقتصادية.
ثانياً – الموقف الإقليميّ:
تشهد الساحةُ الإقليميةُ تحوّلاتٍ كبيرةً، خصوصا بعد اتفاق مكَّة، وبعد دخول الأتراك على خطّ المواجهة الساخنة مع الكيان، وتبادل التوترات بين تركيا والكيان الإسرائيليّ. وتكاد تشتعل الحرب بين الجانبين، لولا محاولات أمريكية لمنع توسعة الصراع بينهما.
وهذا يجعل سوريا الجائعة غير مستعدّة للانجرار إلى مخططٍ أمريكيّ يقضي بتحريك الخطّ السلفي ضدَّ الشيعة، كما أراد لذلك ترامب. إلا أنّ نهاية (قسد) العسكرية لا تعني نهاية المطالب السياسية، وبهذا يبقى الوضع السوريّ يعاني الكثير، بما لا يمنحه التوجّه ضدّ الشيعة، وربّما نجده أقرب إلى التعايش مع الشيعة إقليميّاً.أمَّا السعودية، فهي تحاول جاهدة حماية نفسها بالأحلاف، لكنّها تُدركُ أنّ أيَّ حلفٍ لا يمكنه أنْ يُؤمّن حدودها وداخلها وجغرافيتها واقتصادها ونفطها، ما لم يكن لها خيط تنسيق مع الشيعة لدفع الأخطار عنها، ولإيجاد منافذ للتصدير من خلال حَلّ أزمة مضيقي هرمز وباب المندب.وهذا الموقف الضاغط في المنطقة يمنح الشيعةَ مساحةً للجمع بين ممارسة الاستعداد للحرب، وبين اللّين الحكيم في إقامة علاقات تفرضها نتائج الحرب في المنطقة.
ثالثاً – الموقف الدوليّ:
ممّا لا ريبَ فيه أنّ الروس والصين لهم مصالح في المنطقة ولو موقتا توجب عليهم أن يمنحوا الشيعة القوّة في المنطقة لمواجهة العدوّ المشترك، بما يؤمّن لهما:
أوّلاً : القدرة على تأمين مصالحهما الاقتصادية وأمنهما الداخليّ.
ثانياً: يوفّر لهما أوراق ضغط على أمريكا ترامب في أزمة تايوان وأوكرانيا.
ثالثاً: بما يحفظ مصالحهما في الخليج مستقبلا .
رابعاً: وبما يوفّر لهما رسم خريطة دولية جديدة، في مواجهة القطبية الأمريكية الغارقة في حرب استنزاف لا يمكن لأمريكا، وفق تقديراتهم، أنْ تخرج منها إلّا ضعيفة، مفككة في القرار الداخلي، وغارقة في الديون والفشل.وافضل توصيف لامريكا بانها تعاني الازمة الاقتصادية وازمة الطاقة وازمة الانقسامات وارتفاع اصوات الداخل لتفكيك العلاقة بين ترامب وامريكا وتراجه هيبة امريكا وخلاصة القول ان امريكا في مازق ستراتيجي يظهر مع سحب اخر حتملة طائرات من اسيا . كما أنّ أطرافاً عديدة دخلت على خط المواجهة مع أمريكا، بقدر متفاوت، من إسبانيا وكندا والدنمارك وأمريكا اللاتينية وآسيا، ونوعاً ما بعض الدول الأوروبية.وعليه، فإن الخريطة الدولية، من القطب الأحادي، وخصوصا ما أحدثه من أزمة عالمية ومن توترات خلقها ترامب وإهماله لأغلب الدول الأوروبية، منحت الشيعة فرصة حتّى داخل أمريكا، والانتخابات الأمريكية على الأبواب.
هذه المقدّمات تجعل مستقبل الشيعة في المنطقة وفق الحقائق التالية:
1/ إنّ تبادل الأدوار الشيعية مهمٌ بين من يصعّد، ومن يخفف، ومن يقاطع، ومن يحاور؛ فكُلُّ موقفٍ ينعكس على الأطراف الشيعية إيجابيا.
2/ إنّ رفع الاستعداد العسكريّ والأمنيّ، وحتّى الدبلوماسيّ مهمٌّ للشيعة في المنطقة، بعد أن وجدوا أنفسهم منتصرين نوعاً مّا في قلب المعركة العسكرية والسياسية والأمنية، لا أقلَّ في إفشال المخطط الأمريكي في إسقاط الوجودات الشيعية، ما لم يحصل طارئ أو متغيّر، لا سامح الله.
3/ إنّ حرب رمضان مكّنت الشيعة من الإمساك بعصب الاقتصاد العالمي من خلال السيطرة على المنافذ، وسيكونون المحور في حركة الطاقة والاقتصاد العالمي والإقليمي عاجلاً أم آجلاً.
4/ أدرك الشيعة أنّ الأهداف الأمريكية فشلت، وأنّ أمريكا لم تعد القوّة المتحكّمة عسكريا في المنطقة. وقد استعادت إيران وجودها وإنتاج نظامها السياسيّ، وتحاول أنْ تمنح العامل الإقليميّ الشيعيّ، بنحو خاصٍّ، ذات القوّة، مع احترام الخصوصيات المحلّية.وهم يرون أنّهم ـ مهما بقيت من مواجهات عسكرية ـ قادرون على مواجهته؛ لذا فهم في إيران واليمن والعراق يتوجّهون إلى تأمين الاقتصاد. وهذا يحتاج إلى إدراكٍ وعمقٍ وتخطيطٍ من كُلّ الأطراف الشيعيّة، وتريد الجبهات الساخنة تفكيك الشراكات الإقليمية مع أمريكا، وتعميق الشراكات بالمقابل مع أطراف دولية.
5/ وجدت الدول والمحاور الشيعية أنّ جمهورها متلاحم معها في تلك المرحلة، خصوصا في العراق وإيران، وحتّى لبنان واليمن؛ لأنّ حروب الإبادة التي ارتكبت من الجانب الأمريكيّ استفزت الوجدان الشيعيّ، وجعلت المجتمعات الشيعية في مواجهة أمريكا، وللمرجعية دفع بهذا الاتجاه.
6. إنّ فصائل المقاومة في العراق يمكنها أنْ تكيّف وضعها بما ينزع فتيل التوترات، ويجعلها أكثر مرونة وقدرة، في تكتيك ذكي يبقيها قوّة حاسمة عند الضرورة، ولو بغطاء جديد، ريثما تنتهي الأزمة، وتنتهي الأحداث إلى انتصارٍ شيعيّ يجعل الشيعة واقعا مُهمَّا في الخريطة الدولية والإقليمية.
ويجدر القول: إنّ مستقبل الشيعة في المنطقة وجد له مساحات وواقعاً جديداً في الداخل والخارج الإقليميّ والدوليّ، حال تَمَّ فتح باب الحوار والتفاهم بين الأطراف الشيعية لتنسيق السياسات، وخلق تكامل في الرؤية الاستراتيجية، يمنع الأزمات والتقاطعات. وعلى العقل الشيعي وأصحاب القرار أن ْيدركوا تلك الحقائق. لكن يبلقى القول ان الحرب مازالت وتبقى والقوة الشيعية رهينة المتغيرات مالم يستعدوا لاي متغير وينسقوا بينهم الادوار
28 / 8 / 2026 م