في ظل التسارع السياسي المحموم الذي تشهده الساحتان اللبنانية والعراقية، تتضح معالم مشروع إقليمي ودولي يستهدف البنية الصلبة للوجود الشيعي في المنطقة، ليس عبر الحروب المباشرة، بل بأساليب ناعمة تتخفى خلف عناوين الإصلاح والسيادة والاستثمار.
لبنان: شرارة الحرب الأهلية من قرار حكومي مشبوه
القرار الذي يُطبخ في كواليس الحكومة اللبنانية، والمنسجم تمامًا مع الإملاءات الأمريكية-الإسرائيلية، بنزع سلاح حزب الله تحت غطاء المؤسسة العسكرية، يُنذر بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر. هذا القرار، إن فُعل، لن يُقرأ في الجنوب أو الضاحية إلا بوصفه انقلابًا سياسيًا ضد المكون الشيعي، ومحاولة لإنهاء معادلة الردع التي حفظت توازن لبنان لعقود.
من يظن أن حزب الله والمجتمع الشيعي في لبنان سيكونون لقمة سائغة، فهو واهم. ربع الجيش اللبناني من الطائفة الشيعية، والخطأ في الحسابات هذه المرة لن يمر بسلام. لبنان لن يشهد مجرد توتر سياسي، بل سينزلق إلى اقتتال داخلي سيأكل الأخضر واليابس، وسيكتشف أصحاب الرهانات الأمريكية-السعودية-الإسرائيلية أنهم فتحوا أبواب جهنم على وطن متعدد الطوائف، يصعب فيه حسم المعارك، وتُكلف فيه المغامرات أثمانًا باهظة.
العراق: قوانين ظاهرها إصلاح وباطنها تصفية ممنهجة
في العراق، الأدوات تختلف لكن الغاية واحدة: تفكيك العمق الاستراتيجي الشيعي من الداخل، بطريقة تدريجية وصامتة. وها نحن أمام سلسلة مشاريع وقوانين، تحمل في ظاهرها عناوين براقة لكنها في جوهرها تحمل بذور الخراب:
1. محاولة إنهاء قانون الحشد الشعبي، إما عبر إفراغه من مضمونه أو من خلال حله مستقبلاً، تمهيدًا لفك ارتباط فصائل المقاومة بالمؤسسة الأمنية – وهي خطوة ستفكك آخر حائط صد بوجه المشاريع المعادية.
2. قانون حماية المستثمر السعودي في بادية السماوة، والذي يُراد من خلاله تسليم مساحات شاسعة من الأراضي العراقية لقوى إقليمية تُعرف بعدائها للمشروع الشيعي – تحت شعار الاستثمار، بينما الهدف الحقيقي هو خلق “منطقة نفوذ سعودية” داخل العراق.
3. الاتفاقية النفطية مع تركيا، التي تشمل مد أنبوب للنفط والغاز من البصرة إلى الأراضي التركية، هي امتداد لهيمنة أنقرة على مفاصل الطاقة العراقية. هذه الاتفاقية قد تتحول إلى أداة لابتزاز بغداد اقتصاديًا وسياسيًا، وتهدد أمن الطاقة الوطني، وتُربط مستقبل العراق بقرار سياسي تركي معادٍ تاريخيًا للوجود الشيعي.
قراءة في الأفق القادم: المواجهة الناعمة أخطر من الحروب
ما يجري اليوم في لبنان والعراق، ليس إلا فصلًا من فصول استراتيجية شيطانية جديدة، تستهدف المكون الشيعي لا عبر المجازر كما في الماضي، بل من خلال التفكيك المؤسساتي، والحصار الاقتصادي، وتشويه الصورة أمام الرأي العام. إنها حرب نفسية وقانونية واقتصادية وثقافية، تخوضها أطراف دولية وعربية، بأدوات داخلية تسوّق نفسها كـ”إصلاحية” و”وطنية”.
لكن التاريخ علمنا أن محاولات تهميش الشيعة أو محاصرتهم، تنتهي دائمًا بردة فعل تقلب الطاولة على الجميع. قد يتأخر الرد، لكنه حتمي. والمقاومة التي خرجت من رحم الحصار، وتغلبت على الجيوش، لن تُهزم بقوانين صنعتها غرف المخابرات.
✊
إن المرحلة المقبلة تتطلب وعيًا شيعيًا استراتيجيًا، يدرك طبيعة المعركة ويُحسن إدارتها بعيدًا عن الانفعال، وبناء تحالفات شعبية ووطنية عريضة تُفشل هذا المخطط الجديد.
المؤامرة واضحة، والوسائل باتت مكشوفة… والمطلوب اليوم ليس فقط الصمود، بل الانتقال من الدفاع إلى الهجوم السياسي والميداني والفكري، لحماية المكتسبات وتحصين الوجود الشيعي في قلب المعركة المقبلة