مرحلة تشكيل العقل الشّيعي العراقيّ في خطاب الإمام مجتبى الخامنئي
كان جزءٌ من العقل الشّيعيّ العراقيّ ـ في مراحل طويلة من التاريخ ـ بعيداً إلى حدٍّ كبير عن العقل الشّيعيّ الإيرانيّ؛ إذ تعاقبت على العراق جهودٌ قوميةٌ وتركيّةٌ وبعثيةٌ عملت، بصورة مباشرةٍ أو غير مباشرة على إضعاف تفاعل العقل الشّيعيّ العراقيّ مع نظيره الإيرانيّ؛ فقد كانت الدولةُ العثمانيّة، التي حكمت العراق أربعةَ قرونٍ، تمسخ وتهمّش وتحارب كُلَّ ما من شأنه أن يقرّب بين شيعة العراق وإيران، متأثّرةً بالخلاف التاريخيّ بين الدولتين الصفوية والعثمانية. ثُمّ توالت تأثيرات بقايا ورجال الدولة العثمانية في العهد الملكيّ على الاتجاه نفسه، لتتعاقب بعد ذلك المؤثّرات القومية والسلفية والبعثية عقوداً، وربّما قروناً، في الاتجاه ذاته.
وتضاعف هذا الجُهد المعادي بعد انتصار الثورة الإسلامية؛ فانطلقت الأقلامُ المأجورةُ والبعثيةُ، وبدعمٍ غربيّ وأمريكيّ، للعمل على جعل الشّيعيّ العراقيّ غير متقبِّلٍ للفكر الثّوريّ ومنهج الإمام الخمينيّ (قدس) . وقد حفلت حقبة صدام بضخٍّ إعلاميٍّ عدوانيٍّ مُكثَّفٍ، استهدف صياغة العقل الشّيعيّ صياغةً قوميةً بعثيةً تستبطن الكراهية والتنافر مع منهج الفكر الثّوري الإسلاميّ الخمينيّ، القائم على أساس النّهضةِ الشيعيةِ.
لكنْ خلال تشييع جثمان الإمام الفقيه آية الله السيّد عليّ الخامنئيّ الطّاهر، وجدنا أنّ التوجُّه الشيعيّ العراقيّ بلغ مرحلةً عاليةً من الوعي والانتماء إلى منهج الوعي الثّوريّ، وهو ما أشار إليه الإمامُ مجتبى الخامنئي في رسالةِ شُكره إلى الشَّعبِ العراقيّ، حين قال: « إنّ تشييع الملايين من الشّعبِ العراقيّ لجثمان الإمام الخامنئي الطّاهر أفشل جهود الأعداء التي بُذلت للتّفريق بين الشَّعبين الإيرانيّ والعراقيّ».ومن هنا يمكن القولُ، بوضوحٍ وبساطةٍ: إنّ الجمهورية الإسلامية أعادت إنتاجَ فكرٍ وعقلٍ شيعيٍّ جديدٍ.
ولا شكَّ أنّ الملايين التي خرجت لتشييع الإمام الخامنئي قد تأثَّرت بمبادئ الإمام الخميني(قدس) ، وأخلاقه ومنهجه، غير أنّ الفترة المباركة التي تصدّى فيها الشّهيد الإمام الخامنئي(قدس) للقيادة، بما امتلكه من قوّةِ شخصيةِ، وعمقٍ فكريٍ، وخطابٍ مُؤثِّرٍ، ومواجهة للاستكبار، تركت أثراً عميقاً في الوجدان العراقيّ، والّتفكير الشّيعيّ، وكانت من نتائج ذلك هذا التعاطفُ الملحميُّ الكبيرُ مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وهو تعاطفٌ وقف الغربً عاجزاً عن إدراكه، وفهم أبعاده.
ولهذا، لا يمكن وصف اندفاع الملايين وتفاعلهم في التّشييع بأنّه مجرّد تعاطفٍ؛ بل هو في جوهره عمليةُ إعادة إنتاج لطريقة تفكير الشِّيعةِ في العراق. ويصحُّ القولُ أيضاً: إنّ القيادة العليا في إيران تمكَّنتْ من إعادة صياغة العقل الشّيعيّ العراقيّ وثقافته وعقيدته، إلى حدٍّ بلغ من التّقارب مع الخطّ الثّوريّ للإمام الخامنئي (قدس) درجةً واضحة جعلت المسارين واحداً.
لكنّ القولُ لا ينتهي هنا، ولا تكون النّهايات قد حُسمت، بل تبقى مفتوحةً؛ فهذا المتغيّرُ الكبيرُ في توجّه الشَّعب العراقيّ كان وما زال نتاجاً لجهدِ القائد الإمام الراحل، إلّا أنَّه يحتاج إلى المواصلة والدّيمومة والاستثمار، لكي تبقى الأمّة في العراق على هذا المستوى من الرّقي والوعي والصّحوة التي أنتجها قادة جهاد التّبيين، وعلى رأسهم الإمام الشّهيد.
ومن هنا تتضحُ مسؤوليةُ القادة والعاملين، في تذويب العوائق وحلّ المشكلات، وكُلّ ما يمكن أن يقف عائقاً من هذا الهدف، بحيث تكون الأمّة والمجتمع في صميم اهتمامهم، ولا سيما أنّ الشّعبين ثد تمكّنا من تسجيل الولاء للثّورة الإسلامية، والدّفاع عنها، والحضور في الميدان، لمواجهة العدوان، بصورةٍ أقوى من أيِّ عهدٍ مضى، وهو ما حال دون تراجع التّجربةِ وسقوطها.
لقد كان الخطاب الشّيعيّ العراقيّ، عبر قرونٍ، يركِّزُ ويرتكز على المفرداتِ الإسلاميّةِ العامَّة، وعلى التّواصل مع الجمهور عبر الأطر التّقليدية، تحاشياً للصِّدامِ الذي كان يُرى أنّ مقتضياته موجودةٌ، غير أنّ موانعه وظروفه لم تتوفّرْ بعدُ. ومع ذلك، كان العدوُّ يرصدُ أدنى حركةِ تواصلٍ بين القيادة والأمّة؛ لاستئصالِ أثرِها، وقتلِ رجالها، ومطاردةِ أنصارها، ومحاربةِ الفكر المفكّرين، فضلًا عن تغييب المكوّن الشيعي عن دوره، وتهميش وجوده السياسيّ في مسرح الحياة.
ولم تكن الأمَّةُ الشّيعيّةُ، والحال هذه، تحملُ مشروعاً يعيد إليها هويتها الإسلاميّة ووجودها ومكانتها وعزّتها ويدافع عنها؛ فأصبحتْ نهباً للجلّادين، في حالٍ من الذّل والهوان يضيق اللّسانُ عن وصفها. وكان العدوُّ، في حركته، مدركاً لخطورة انتصار الثورة الإسلامية في إعادة تشكيل العقل الشّيعيّ العراقي من جديد.
بالفعل، وجد شيعة في العراق في منهج الإمام الخميني، ومن بعده الإمام الخامنئي، وفي ثقافته وخطابه ومواقفه ودفاعه وقيادته، الطريقَ المنقذَ لهم؛ لأنّ الجمهورية الإسلامية لم تضع التصدّي السياسيّ للشيعة في واجهةِ المقاومةِ، ولا فصلت بين المقاومة والوعي والبصيرة، بل جمعت هذه المسارات في مشروعٍ واحدٍ.
لقد منح القائد الإمامُ الشّهيدُ الخامنئي (قدس) الشيعةَ المشروعَ والرُّؤيةَ والاستراتيجية والمكانة. ورأت الأُمّة أنَّها لا تنهضُ إلّا بإعادةِ بناء طريقة تفكيرها، وتوسعة مداركها وتطلّعاتها، وتعميق أهدافها، ورفع سقف مطالبها، حتّى لا تكون أمّةً هامشية بين الأمم، تتسيّد فيها الادّعاءات، ويتلاعب بها الأعداء، ويتحكّم في مصيرها الطُّغاة.
وهذا هو الواقعُ الحقيقيّ لحركة ونهضة شيعة العراق، التي برزت ملامحُ تشكيلها في تشييع الإمام الخامنئي؛ إذْ أيقنت عقولُهم ووجدانُهم وثقافتُهم أنّ مصيرهم مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالمنهج الثّوريّ للإمام الخميني ، والإمام الخامنئي.
وهذه النَّهضة الشيعية من الخطرِ بمكانٍ ربطُها بالقيادات السياسية المحلّية في العراق وإيران، مع أهمّية دور هذه القيادات في مجالاتها؛ بل لا بُدّ من إبقاء الأمّة مرتبطةً بشكلٍ وثيقٍ بالقيادة العليا والمراجع؛ لئلا تتفرّق الأمّة باختلاف مشارب القيادات المحلّية، وأهوائهم.
وبما أنّنا نتحدّث عن إعادة صياغة العقل الشّيعي، فإنّ ربط الأُمّة بالسّيدِ القائدِ آية الله مجتبى الحسينيّ يمثّل خير مثال على ذلك، وهو أمرٌ يتطلّبُ جهوداً تُبذل من المفكّرين ورجال القلم والعلم وأصحاب الهمم العالية في إدراك أهمّية الحفاظ على العنصر الأهمّ في صياغات العقل الشّيعيّ الجديد.
إنّ هذه المرحلة يجب أنْ يتعّهدها رجال الفكر والثقافة، وأنْ تكون مسؤوليتهم منصبّةً على ربط الأُمّة بالقيادةِ الشرعية، لأجل الحفاظ على نهضتها؛ والابتعاد منهج ربط الإمّة بالأحزاب والتيّارات ، وإنْ سُمّيت بـ (الإسلاميّة) ، وهذا هو عامل القوّة ، وما يبرئ الذّمة أمام الله.
: 25 / 8 / 2026 م .