خيارُ أَمريكا الحربُ واللّاحرب
إيضاحُ العنوان
المقصودُ مِنَ الحربِ هو استمرارُ الهدنةِ والحصارِ على إيران، والمقصودُ مِنَ اللّاحربِ أي عدمُ استعمالِ الحربِ العسكريةِ بعنوانِها الواضحِ مِن استعمالِ القصفِ بالطائراتِ والصواريخِ وغيرها.
المعطياتُ تُشير بأنَّ القرارَ الأمريكيَّ اتّجه إلى سيناريو أدواتٍ أقلَّ كلفةً مِن الحربِ العسكرية، وهي: (الحربُ المفتوحةُ مِن خلالِ الهدنةِ مع الحصارِ وبعضِ المحاولاتِ العسكريةِ المحدودة)، ومِن هنا يمكنُ أن يُقال إنَّ العملياتِ العسكريةَ الأمريكيةَ بعنوانِها العسكريِّ أصبحت بعيدةً نوعًا ما، وبقي آخرُ الخياراتِ بيدِ أمريكا هو هدنةُ حربٍ مفتوحةٍ مع الحصار. والأسبابُ هي:
١- قرَّرتْ أمريكا أن تستمرَّ في آلياتٍ متعددةٍ للحربِ (اقتصاديةٍ وأمنيةٍ وغيرها) وليس العسكريةِ المحضة، لأنَّها أدركتْ بنحوٍ عمليٍّ أنَّ الحربَ العسكريةَ لا تنفعُ في تحقيقِ الأهدافِ الأمريكيةِ الإسرائيليةِ أمامَ صمودِ إيران، فضلًا عن أكلاف الحربِ العسكريةِ العاليةِ عليها اقتصاديًّا وسياسيًّا، لذا لجأتْ إلى الحصارِ التجاري.
٢- داخلَ أمريكا صوتٌ كبيرٌ يرفضُ الحربَ بالعنوانِ العسكريِّ والعملياتيّ، لذا اتّخذَ ترامب خيارَ الحربِ غيرِ المكلفةِ في الأفرادِ حتى يُخفّفَ حجمَ الاعتراضِ الداخليِّ مع إبقاءِ بابِ الحربِ مفتوحًا بنحوٍ أمنيٍّ وتجاريٍّ واقتصاديٍّ.
٣- اللوبي الصهيونيُّ يرى ضرورةَ الضغطِ على ترامب لحملهِ على قرارِ الاستمرارِ في الحربِ بالممكن، لأنَّ فرصةَ إسرائيلَ في تحقيقِ أهدافِها تتعلقُ بوجودِ ترامب في الحكم، وقطعًا لا يمكنُ لإسرائيلَ إقناعُ أيِّ إدارةٍ أمريكيةٍ بالحربِ لاحقًا، سيَّما أنَّ اللوبي الصهيونيَّ الآن تمكَّن أن يُورطَ إدارةَ ترامب وحكومتَه في الحرب، وقطعًا مِن البعيدِ أن يتمكنَ اللوبي الصهيونيُّ أن يُورطَ الإداراتِ اللاحقة، خصوصًا بعد خروجِ نتنياهو وترامب مِن الحكم.
٤- أمريكا مقبلةٌ على انتخاباتٍ قريبة، وترامب يرى حتميةَ سقوطِه ما لم يُحققْ أحدَ أهدافِه في تلك الحرب، سيَّما أنَّ المعارضةَ له ليست مِن الديمقراطيين وحدَهم، بل حتى مِن الجمهوريين وأفرادِ حكومتِه، وعلى رأسِهم مساعدُه ((فانس))، خصوصًا بعد الاستقالاتِ الواسعةِ مِن فريقِه العسكري، وعليه يحاولُ ترامب أن يتخذَ آلياتٍ في الحربِ أقلَّ كلفةً لعلَّها تُحققُ الهدفَ وتحفظُ ماءَ وجهِه وتنقذُه مِن حربٍ عبثيةٍ أمامَ الصينِ والروسِ وأوربا والداخلِ الأمريكي.
٥- العملياتُ العسكريةُ بكلِّ أنواعِها كلَّفتْ أمريكا سمعتَها واقتصادَها، وعزلتِ الإدارةَ الأمريكيةَ عن المحيطِ الجيوسياسيِّ الأوربي.
٦- الإدارةُ الأمريكيةُ لم تتمكنْ أن تضعَ حدًّا للحربِ وأن ترسمَ النهاياتِ لها، وعليه فهي حربٌ في نهاياتِها خارجَ السيطرةِ الأمريكيةِ وحتى الإيرانيةِ مع عاملِ تكافؤِ القوة، علمًا أنَّ ترامب محاصرٌ بالدستورِ الأمريكيِّ ومُدداته، لذا حتى يتجاوزَ ترامب كلَّ العقباتِ والتحديات، وحتى لا تقعَ أمريكا في حربٍ مفتوحةٍ استنزافية، يحاولُ ترامب أن يسلكَ مسلكَ ((الحربِ واللّاحرب)) بأقلِّ الأكلافِ ابتغاءَ تحقيقِ الأهداف، مع أنَّ إدارةَ ترامب لم تُحققْ شيئًا ملموسًا منذُ شهرين، بل وجدتْ أنَّ الإدارةَ الإيرانيةَ متماسكةٌ ومقتدرةٌ عسكريًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، وتمتلكُ رصيدًا شعبيًّا تعبويًّا وقيادةً سياسيةً موحدةً.
٧- أمريكا حسبَ المتابعةِ تُجري مفاوضاتٍ مع إيران، لكنَّ أمريكا هذه المرة اختارتْ أن تكونَ المفاوضاتُ تحتَ الحربِ المفتوحةِ (هدنةٍ وحصارٍ بحريٍّ) لدفعِ إيرانَ إلى المزيدِ مِن التنازل، وإن كانتِ التقاريرُ الأمريكيةُ والغربيةُ لا تُؤشرُ أيَّ ضوءٍ لنهاياتِ النفق، وأنَّ إيرانَ ما زالتْ مُصرةً على رؤيتِها وشروطِها التي لا تختلفُ في المفاوضاتِ في الحربِ والسلام.
٨- أمريكا لم يبقَ أمامَها إلا الحصارُ على إيران، وهو سلاحٌ ذو حدَّين، وإنَّ مؤشراتِ أثرِه على أمريكا أكثرُ مِن أثرِه على إيران بفارقٍ كبير، لكنَّه لا يمكنُ أن يُركعَ إيران، ولا يمكنُ أن تُعلنَ هي الفشل، فلا بدَّ مِن خيارِ الهدنةِ المفتوحةِ مع ضغطِ الحصار، حتى وإن لم يكنْ ذا نفعٍ كبير، مع أنَّه لا يخلو مِن ضررٍ على الجميع.
٩- السببُ في لجوءِ أمريكا إلى سيناريو الهدنةِ والحصارِ واضح، لأنَّها جرَّبتْ كلَّ خياراتِ ومخططاتِ الحربِ وفشلت، ولم يتبقَّ لحفظِ ماءِ وجهِ الإدارةِ الأمريكيةِ مِن السقوطِ الداخليِّ والخارجيِّ أمامَ أوربا والروسِ والصينِ إلا الحصار، فإنَّها تُحاصرُ إيران وتُحاصرُ العالم وتُحاصرُ الاقتصادَ الأمريكي، لأنَّه سلاحٌ غيرُ مُنتجٍ إلى الآن، ولكنَّها تمسكتْ به كخيارٍ أفضلَ مِن إعلانِها الفشلَ والخسارةَ أمامَ الصين.
١٠- لجوءُ أمريكا إلى حالةِ الحربِ واللّاحربِ واستعمالِ أدواتِ الحصار يمكنُ أن يُقال إنَّه خيارٌ فُرضَ عليها، مع أنَّها تعلمُ أنَّه إن لم يكنْ فاشلًا بقدرٍ ما فإنَّه قطعًا سلاحٌ ذو حدَّين، ويلامسُ سيفُ الحصارِ البحريِّ نحورَ الأمريكيين قبلَ إيران، لكنَّها اضطرتْ إليه بعد أن فشلتْ كلُّ السيناريوهاتِ الأمريكيةِ عسكريًّا خلالَ (70) يومًا، وهي:
أولًا – خيارُ اغتيالِ القيادةِ لأجلِ تفكيكِ الدولةِ الإيرانيةِ سياسيًّا وعسكريًّا، وفشل، علمًا أنَّ القيادةَ الإيرانيةَ انتخبتِ القيادةَ خلالَ ستةِ أيام.
ثانيًا – خيارُ تحريكِ الشارعِ الإيرانيِّ ضدَّ النظامِ السياسيِّ الإيراني، والنتيجةُ عكسية، فإنَّ ملايينَ الإيرانيين يحرسونَ الشوارع، بينما الشارعُ الأمريكيُّ غاضبٌ ويعكسُ غضبَه تظاهرُ الملايينِ مِن الأمريكيين ضدَّ قرارِ الحرب.
ثالثًا – حاولتْ أمريكا أن تُحركَ الأقلياتِ وفشلت، هذا فضلًا عن قتلِ واغتيالِ القياداتِ لإضعافِ القدراتِ العسكرية، ولكنَّها وجدتْ أنَّ إيرانَ تُقاتلُ في الجيلِ الثاني والثالث كما تُقاتلُ وتقودُ في الجيلِ الأول.
رابعًا – مارستِ المزيدَ مِن الضرباتِ والاغتيالاتِ خلالَ تلك الفترةِ وفشلت.
خامسًا – مارستِ التهديدَ للضغطِ والتأثيرِ على تماسكِ القيادةِ الإيرانيةِ بأن تقومَ بضربِ الطاقةِ في إيران أو تمحوَ إيرانَ مِن الخريطة، واستمرَّ التهديدُ الأمريكيُّ بمُددٍ متعددةٍ ابتغاءَ الضغطِ وفشل.
سادسًا – حاولتْ تشكيلَ تحالفٍ دوليٍّ مِن خلالِ إقناعِ الصينِ وأوربا في فتحِ مضيقِ هرمز وفشلت.
سابعًا – مارستْ خيارَ الإنزالِ في كهيلوية وفشلت.
ومِن هنا ليس أمامَ أمريكا إلّا خيارُ الحربِ واللّاحربِ مِن خلالِ حصارٍ غيرِ معلومِ النتائجِ لها، فإنَّ إيران حسبَ التقاريرِ وضعتْ خطةَ تكييفِ القدراتِ العسكريةِ والاقتصاديةِ لحربٍ طويلة، وبهذا تبدو إيرانُ باردةَ الأعصابِ كونَها دولةً تماسكتْ ومنعتِ العدوَّ مِن تحقيقِ أهدافِه، بل انتقلتْ إلى مرحلةِ أن تفرضَ عليه رؤيتَها التفاوضية، وامتلكتْ إيرانُ ورقةَ الضغطِ الخانقةِ لأنفاسِ أمريكا الاقتصادية، وهو مضيقُ هرمز الذي أصبحَ عجزُ أمريكا عن فتحِه علامةً مميزةً على الفشل، لكنَّ إيرانَ لا تُبالغُ في الحربِ ولا تتراجعُ عنه، مع تقديمِ رؤيةٍ ممكنةٍ لحلِّ الملفِّ النووي، بينما تبدو أمريكا عالقةً في الحربِ وفاشلةً في كلِّ الخيارات، فضلًا عن الضغطِ الدستوريِّ والتمويليِّ الداخليِّ، ونذيرُ الانتخاباتِ الأمريكيةِ يُهددُ مستقبلَ ترامب.
وبهذا فإنَّ النتائجَ ما يلي:
١- إنَّ أمريكا فشلتْ في الحربِ العسكريةِ المحضة، وبالمقابل يمكنُ اعتبارُ إيرانَ انتصرتْ في إفشالِ أهدافِ العدوانِ الأمريكي.
٢- ليس أمامَ أمريكا بعد أن استعملتْ كلَّ الخياراتِ والسيناريوهاتِ إلا الاستمرارُ في الهدنةِ والحصار، وهو مُكلفٌ لها.
٣- أمريكا في طريقِها إلى الانكسار، وسيظهرُ عالمٌ جديدٌ تكونُ فيه إيرانُ دولةً محوريةً.