الزيدي وإعادة ترتيب موازين القوة في بغداد

د: مظاهري

(الجزء الأول)

 

المقدمة

ما جرى في بغداد خلال الأسابيع الأخيرة يبدو للوهلة الأولى وكأنه مجموعة من القرارات الإدارية المتفرقة؛ تغيير بعض المسؤولين، إلغاء عقد معين، أو نقل قائد عسكري في مدينة بعيدة. لكن عند النظر إلى هذه الأحداث مجتمعة وفي سياقها الزمني الصحيح، يظهر مشهد مختلف تماماً: مشروع سياسي–أمني متكامل قد يمثل أكبر عملية إعادة هيكلة لمنظومة السلطة في العراق منذ عام 2003.

يسعى هذا التقرير التحليلي إلى تجاوز مجرد سرد الوقائع وكشف الأبعاد الخفية لهذه التحولات. والسؤال الرئيسي هو: هل ما يحدث في بغداد يمثل تغييراً حقيقياً وبنيوياً، أم أنه مجرد إعادة ترتيب شكلية تترك مراكز النفوذ غير الرسمية على حالها؟

1. إطار التحليل: لعبة تُدار على عدة مستويات في وقت واحد

الخطأ الشائع في تحليل التطورات الجارية في العراق هو التعامل مع كل إجراء بشكل منفصل؛ فالتغييرات الأمنية تُدرس بمعزل عن ملف السلاح، ودور الولايات المتحدة يُناقش في سياق آخر.

لكن ما يجري في بغداد هو مشروع متكامل يتكون من ثلاثة مستويات:
• المستوى الأول: صفقة استراتيجية بين واشنطن وحكومة الزيدي، تقوم على ضمان الاستقرار المالي للعراق مقابل تسليم الملف الأمني بالكامل إلى الدولة المركزية.
• المستوى الثاني: إعادة توزيع النفوذ داخل البيت الشيعي العراقي باستخدام أدوات الضغط الخارجي.
• المستوى الثالث: مشروع تدرك إيران أنه يجري تنفيذه، لكنها في الظروف الحالية لا تملك القدرة على مواجهته بشكل علني.

وفهم هذه المستويات الثلاثة معاً هو المفتاح لفهم حقيقة ما يحدث.

2. معادلة البقاء: لماذا قبل الزيدي بهذه اللعبة؟

في ظل اقتراب العراق من أزمة اقتصادية حادة، يعوّل الزيدي على أن يوفر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائه المرتقب في شهر يوليو قروضاً تشارك في تمويلها دول الخليج.

ويكشف تصريح أحد الدبلوماسيين المطلعين جوهر القضية: إن ملفات “الإصلاح” و”نزع السلاح” و”مكافحة الفساد” جميعها قائمة على قاعدة اقتصادية هشة.

فقد علّقت واشنطن في مطلع عام 2026 تحويل الأصول الدولارية إلى العراق بهدف دفع القوى السياسية العراقية إلى تشكيل حكومة غير موالية لإيران. كما أن تهديد ترامب بتعليق التعاون الأمني دفع “الإطار التنسيقي” إلى التراجع عن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

وبذلك، يُنظر إلى الزيدي على أنه رئيس وزراء اختارته الولايات المتحدة وقبلت به القوى الشيعية لعدم وجود بديل أفضل، لا بسبب الاقتناع الكامل ببرنامجه السياسي.

ورغم هشاشة هذا الأساس، فإنه يمنحه دافعاً للمغامرة؛ فالشخص الذي لا يملك الكثير ليخسره قد يقدم على خطوات لا يجرؤ الآخرون على اتخاذها.

3. توم باراك: منفذ أم مهندس للمشروع؟

قبل الإعلان الرسمي عن تعيينه، كان توم باراك يدير فعلياً الملف العراقي منذ شهر فبراير. أما تعيينه الرسمي في مايو فلم يكن سوى تثبيت لوضع قائم بالفعل، وهو رفع مستوى إدارة الملف العراقي وربطه مباشرة بالاستراتيجية الأمريكية الأوسع تجاه إيران والمنطقة.

وتكمن أهمية هذا الترتيب غير الرسمي في أن المبعوث الذي يبني شبكات التفاوض والتأثير قبل صدور تكليفه الرسمي يكون قد بدأ عمله ضمن رؤية استراتيجية مسبقة من البيت الأبيض.

وبحسب التقرير، فإن المباحثات بين باراك والزيدي لم تقتصر على ما ورد في البيانات الرسمية، بل شملت أيضاً:
• إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء.
• التراجع عن مشروع إنشاء “وزارة الأمن الاتحادية” التي كان يمكن أن تعزز موقع الحشد الشعبي داخل مؤسسات الدولة.
• التأكيد على نشر قوات الأمن الوطنية في المنافذ الحدودية كإجراء عاجل وقابل للقياس.

4. شرح التغييرات الأمنية وأهدافها الخفية

أ. مستشارية الأمن القومي: إقالة الأعرجي وتعيين العبودي

يُعد إبعاد قاسم الأعرجي من منصب مستشار الأمن القومي أكثر من مجرد تغيير إداري.

فالأعرجي ينتمي إلى منظمة بدر التي تربطها علاقات تاريخية بالحرس الثوري الإيراني منذ ثمانينيات القرن الماضي، كما تُعد من أكبر الفصائل المسلحة ضمن الحشد الشعبي.

ومن ثم فإن إبعاده عن أحد أكثر المواقع الاستخبارية حساسية في الدولة يمكن أن يُقرأ كرسالة موجهة إلى إيران دون الحاجة إلى إعلان رسمي.

أما خلفه، قاسم العبودي، فيُنظر إليه كشخصية إدارية وأمنية مقبولة لدى الإطار التنسيقي.

ب. رئاسة جهاز الأمن الوطني: إقالة البصري وتعيين البدري

يُعد باسم البدري اختياراً معقداً؛ فهو ينتمي إلى حزب الدعوة ويُعتبر قريباً من الإطار التنسيقي، إلا أن سجله الإداري يشير إلى أنه مناسب لضبط الملفات المالية والإدارية أكثر من خوض مواجهة أيديولوجية.

ويعكس هذا التعيين رغبة الزيدي في اختيار شخصية تحظى بثقة التحالف الشيعي، وفي الوقت نفسه ليست محسوبة على الفصائل المسلحة.

أما حميد البصري فقد نُقل إلى رئاسة لجنة دعم مكافحة الفساد، في خطوة يصفها التقرير بأنها “إبعاد مع الحفاظ على المظهر”.

ج. البنك المركزي: إقالة العلاق وتعيين ناصر

يعتبر التقرير أن التغيير في البنك المركزي ربما يكون أهم خطوة استراتيجية، رغم أنها لم تحظَ باهتمام إعلامي واسع.

فالولايات المتحدة تتهم الحكومة العراقية بإحالة مشاريع إلى شركات مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات، ما يسمح بتحويل أموال كبيرة إلى جماعات مسلحة.

وكان علي العلاق يُنظر إليه كأحد المحاور الرئيسية في هذه المنظومة.

لذلك فإن استبعاده وتعيين رئيس بالوكالة بدلاً من رئيس دائم يهدف إلى إرسال رسالة إلى واشنطن مفادها أن مسارات التمويل يجري تعديلها، مع الإبقاء على هامش للمفاوضات المستقبلية.

د. التغييرات في المنافذ الحدودية

تم سحب جميع وحدات هيئة المنافذ الحدودية من نقاط التفتيش وإسناد مهامها إلى جهات أخرى، بالتزامن مع تغيير قادة الألوية ووحدات حرس الحدود.

والهدف المعلن هو قطع مصادر الدخل غير الرسمية التي استفادت منها بعض الجماعات المسلحة لسنوات عبر فرض رسوم غير قانونية في المنافذ الحدودية.

كما يمكن فهم التغييرات التي شملت وزارة النقل والموانئ والطيران المدني ضمن السياق نفسه.

هـ. الهيئة الوطنية للاستثمار: إقالة مكية وتعيين الياسري

جاء هذا التغيير في وقت تضمن فيه البيان المشترك بين باراك والزيدي التزامات واضحة تجاه الشركات الأمريكية.

ولتنفيذ هذه الالتزامات، يرى التقرير أن رئاسة هيئة الاستثمار يجب أن تكون بيد شخصية تحظى بثقة واشنطن.

5. إلغاء عقد مطار بغداد: تقاطع ثلاثة دوافع

يحمل قرار إلغاء عقد تطوير مطار بغداد البالغة قيمته 764 مليون دولار، والذي كان قد أُحيل إلى تحالف يضم شركة “Corporation America Airports” المسجلة في لوكسمبورغ وشركة “أمواج الدولية العقارية” العراقية، عدة أبعاد متداخلة.

ويحدد التقرير ثلاثة دوافع رئيسية لهذا القرار:

الدافع الأول

الضغط الأمريكي لفتح المجال أمام الشركات الأمريكية.

ففي البيان المشترك بين باراك والزيدي ذُكرت شركات مثل:
• ستارلينك
• شيفرون
• HKN
• Hunt
• Western Zagros

مع التعهد بتوفير ضمانات أمنية كاملة لعملها.

ومن ثم فإن مشروعاً أُسند إلى تحالف غير أمريكي لم يكن منسجماً مع هذا التوجه.

الدافع الثاني

احتمال ارتباط شركة “أمواج” بشبكات نفوذ يسعى الزيدي إلى تفكيكها.

ويحمل إلغاء العقد رسالة مفادها أن شبكات النفوذ التي تشكلت خلال حكومة السوداني لم تعد تتمتع بالحماية نفسها.

الدافع الثالث

الحاجة إلى تقديم نموذج ملموس لمكافحة الفساد، بما يعزز شرعية الحكومة داخلياً ويثبت لواشنطن جديتها في تنفيذ الإصلاحات.

المزيد من المشاركات
اترك تعليقا