حصانات الشِّيعة عقباتُ أمريكا في العراق وإيران والمنطقة
حصانات الشِّيعة عقباتُ أمريكا في العراق وإيران والمنطقة
“لا يوجد في الشِّيعة نيكولاس مادورو”
مدخل:
يذهبُ الكثيرُ إلى أنّ أمريكا لديها مشروعُها في العراق وإيران ولبنان، ولكن قطعًا هناك عقباتٌ تحولُ دون أن يتمكّن الأمريكيّون من تحقيق أهدافهم، وبمراجعة الكثير من المصادر الغربيّة والأمريكيّة ومراكز الدراسات والمقالات، وجدنا أنّ أمريكا حينما تفكّر بمشروعٍ ما في العراق فإنّها تقسّم مشاريعها
إلى تقسيماتٍ ثلاث:
الأوّل: هو المخطّط الذي يستحيل نجاحه.
الثاني: الممكن نجاحه.
الثالث: المؤكّد نجاحه.
فما هي العقباتُ التي تحول دون نجاح المخطّطات الأمريكيّة في العراق، وهي تشكّل عبارةً عن حصاناتٍ للشِّيعة ضدّ المخاطر الأمريكيّة؟ وعليه فإنّ هذه الدراسة هي مراجعةٌ للفكر المخابراتي الغربيّ الأمريكيّ عن طبيعته
أولا: حصن المرجعيّات
………….
أمريكا، وعبر متابعاتنا الدقيقة للتقارير العربيّة والأمريكيّة، فإنّها تتحاشى دومًا أن تصطدم بالمرجعيّة في أيّ مخطط تريد أن تقوم به في العراق وإيران.
مثلًا راجعنا عددًا من البحوث والمقالات والدراسات والأوراق الصغيرة والكبيرة التي كُتبت من مراكز الدراسات الغربيّة عن رؤية الغرب وأمريكا، وحتى الخليج، عن كيفيّة التعامل مع الحشد الشعبي، فوجدنا أنّه مع أنّ الغرب وأمريكا لا يريدان بقاء الحشد قطعًا، ويعتبرانه ضدّهما وأنّه تهديدٌ لمصالحهما في العراق، ولكن كلّ الدراسات تنتهي بأنّه لا يمكن حلّ الحشد أو تهميشه؛ لأنّه مرتبط تأسيسًا وقوّةً ووجودًا ومصيرًا وأيديولوجيًّا بالمرجعيّة، وإنّ المرجعيّة تعتبره مصدر قوّتها وقوّة الشِّيعة، وأنّها توفّر له الحماية الشرعيّة، وأنّ أيّ عملٍ مضادٍّ له من أمريكا سوف يخلق صدامًا كبيرًا بين أمريكا والمرجعيّة، وهذا ما لا تريده أمريكا؛ لأنّها تدرك حجم الخسارة التي تلحق بها فيما لو تعارضت مع المراجع.
و في الجانب الآخر، وهو مثال الجمهوريّة الإسلاميّة، فإنّ أمريكا وحتى الكيان الصهيوني يراقبان المخطّطات التي يقومون بها في المنطقة، و يبتعدون عن أيّ تصادمٍ مع المرجعيّات العليا، فإنّهم يمكن أن يقوموا بأعمالٍ ضدّ الدولة من شنّ حصارٍ اقتصاديّ أو هجومٍ عسكريّ، إلّا أنّه من البعيد جدًّا أن يستهدفوا (( الإمام الخامنئي)).
والدليل أنّ الكيان الصهيوني حينما هدّد المرجع السيستاني مباشرةً، ندّدت السفارة الأمريكيّة في العراق بهذا التصريح، مع أنّه ليس تصريحًا رسميًّا من الكيان الإسرائيلي، بلكان صادرًا من القناة (12) غير الرسميّة للكيان الصهيوني، ومع هذا أدانته السفارة الأمريكيّة.
وكمثالٍ آخر بارز وواضح وضوح الشمس، حينما هدّد الكيان باستهداف الإمام الخامنئي وجدنا أنّ المسارات اختلفت، وأنّ أمريكا غيّرت من خطابها، وأنّ ترامب بنفسه في بيانٍ له قال: ((أنا من منعتُ استهداف السيد الخامنئي مع أنّنا نعلم بمكان تواجده))،ليس تفضّلًا منه، لكنّه يدرك حجم الخطر الذي يهدّد أمريكا بموقف المرجعيّة، وبعد البيان الذي صدر من المرجع السيستاني وعموم المراجع، لأنّ أمريكا تخشى وتبقى تخشى من التصادم مع المرجعيّات العليا، وأنّ السيّد لاريجاني صرّح ((بأنّ بيان المرجع السيستاني كان له دورٌ بارز في إسناد الجمهوريّة وحماية القيادة العليا))، وفي العراق نجد أنّ أمريكا كلّما حاولت التخلّص من حكم الشِّيعة أو التآمر عليه، فإنّها تجد عقبة الحصن الكبير وهو المرجعيّة، ومن يراجع تصريحات الأمريكيّين وكتابات مراكز دراساتهم يجد أنّهم اكتشفوا عدم الإمكان من انتزاع الحكم من الشِّيعة مطلقًا، وعدم إسقاط العمليّة السياسيّة بعد فتوى المرجع السيستاني في الجهاد الكفائي، الذي أفشل مخطّطاتهم، وبهذا فإنّ الأمريكيّين اكتشفوا أنّ العمليّة السياسيّة في العراق محميّة بموجب المرجعيّة في العراق، ولا يمكنهم سلب حقّ الشِّيعة في الحكم مهما حاولوا، لأنّ حقوق الشِّيعة دستوريًّا محميّة بالمرجعيّة.
وفي دراسةٍ بريطانيّةٍ معتبرةٍ ومعتمدةٍ من قبل الأمريكيّين ركّزت على أنّ ((النظام السياسيّ الشِّيعيّ في العراق وإيران محميّ بالمراجع والحوزات الذين لهم قواعد جماهيريّة كبيرة، وتمتثل الجماهير لطاعتهم، ما يجعل من الصعب التصادم مع المرجعيّة، ولا بدّ من أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار)).
ثانيا: حصن الجماهير
…………….
تدركُ أمريكا وكلّ الغرب، وحتى الكيانُ الإسرائيلي، أنّ أيديولوجيّة الشِّيعة في المنطقة، سواء كان الاثنا عشرية أو غيرهم، ترتبط بالمرجعيّة عقائديا، ومن الصعب التصادم مع الجماهير الشيعية التي تشكّل أكثر من:
70٪ في الخليج،
30٪ في آسيا،
60٪ في العراق،
80٪ في إيران.
فإنّ الشِّيعة بحكم طاعتهم للمراجع وعقيدتهم الراسخة في الامتثال والتقليد الفقهي والسياسي للمراجع، فإنّه من البعيد جدًّا أن تنجح أي خطوة لانتزاع الحكم من الشِّيعة، أو ممارسة الإبادة بحقّهم كما فعلوا في غزّة أو فنزويلا، خصوصًا بعد بيانات المرجع السيستاني في الدفاع عن حزب الله لبنان ودعمه للمقاومة.
وتشير الدراسات الأمريكيّة إلى أنّ سبب فشل اعتماد أمريكا على الخطّ العلماني الشيعي في العراق وإيران وعموم المنطقة هو وجود المرجعية، ومهما حاولت أمريكا بأساليب صلبة أو ناعمة، فإنّها تجد الشعوب الشيعية في الغالب واقفةً إلى جانب المراجع والحوزات التي تعارض المخططات الأمريكيّة. وعليه، فإنّ أمريكا تعتمد على أمرين:
١- العمل العسكري، وهو فاشل ويمكن أن ينجح بنسبة قليلة.
٢- تحريك الشعوب الشيعية ضدّ القيادات السياسية، وهو فاشل بحكم ارتباط الشِّيعة بمراجعهم عقائديا.
فإنّ أمريكا – حسب تقارير الغرب – فشلت في أن تكسب الشعوب الشيعية في المنطقة، وأنّ سرّ بقاء وصمود إيران هو طاعة الشعوب للمرجعية، وقوة المرجعية، وإصرارها على حماية المصالح السياسية العليا، وإن اختلفوا في التفاصيل.
وفي التقارير الأمريكيّة التي تراقب توجهات الشيعة في المنطقة، خلصت إلى النتائج التالية:
١- إنّ الشِّيعة يحملون عقيدة الطاعة للمرجعية في الجانب الفقهي والسياسي.
٢- أنّ أمريكا خسرت إيجاد قواعد شعبية مؤمنة بها من الشيعة.
٣ـ أنّ الشيعة في اليمن ولبنان وحتى العراق وموضوع الفصائل مرتبطون بعقيدتهم في مواجهة أمريكا وطاعتهم للمرجعية العليا.
٤- أنّه لا يوجد مرجع واحد في العراق وإيران يخالف توجهات المصالح العليا التي يحددها المراجع، ومن هنا فإن أي هجوم على الشيعة يزيدهم قوة، كما حصل في الهجوم الداعشي على العراق، فكانت النتيجة الفشل بعد تدخل المرجعية وطاعة الجمهور الشيعي لهم، وظهور الحشد الشعبي وقوّة المقاومة.
5- انامريكا تدرك أنّ عقلية المرجعية في النجف الأشرف ومستوى تفكيرهم السياسي في النجف (المرجعية العامة) لا تختلف عن عقلية المرجعية في إيران (ولاية الفقيه) في الجانب السياسي وحفظ حقوق الشيعة.
٦- أنّ وجود الشعوب الشيعية في المنطقة وجود مرتبطٌ بنظام (سياسي ودولة وبالعقيدة)، ومنه يُتعذر رفع سقوف المخططات ضد الشيعة.
٧- أنّ الحركات السلفية التي تعتمد عليها أمريكا، والتي أشار إليها الإمام الخامنئي مؤخرًا والمتواجدة في المنطقة، لا تمتلك القاعدة الشعبية والقيادة المرجعية.
٨- أنّ الغرب يراجع تاريخ الشيعة وطاعتهم للمرجعية منذ ثورة التنباك وثورة العشرين إلى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ويعرف أنّ سرّ صمودهم هو الثنائي المتماسك عقائديا (المرجعية والشعوب الشيعية).
٩- أنّ رفع السلاح لدى الشيعة أصبح عقيدة مدعومة من المرجعية العليا، وإن اختلفوا في التفاصيل.
١٠- أنّ المجتمعات السنية في العالم العربي والإسلامي أضعف من المنظومة الشعبية الشيعية بفعل طاعتهم للمراجع.
١١- عدم إمكانية التفكيك بين مرجعية قم والنجف في المصابلح العليا .
ثالثًا: الحصانات الأخرى
…………..
طبعًا هناك حصانات كبيرة لدى الشيعة في نظر الغرب وأمريكا، وحتى إسرائيل، تجعلهم عاجزين عن مواجهة الشيعة كما فعلوا في بلدان اخرى ، وهي:
١- حصانة امتلاك الشيعة للثروات والنفط والغاز وغير ذلك.
٢- وقوعهم في جغرافيا مهمة تسيطر على المنافذ الحيوية.
٣- حصانة امتلاكهم السلاح المتطور.
٤- حصانة وحدة الميادين الشيعية في المنطقة، مما يظهرهم قوة متكاملة.
٥- حصانة القدرة لدى الشيعة في استيعاب المشاكل وحلها، وعدم الانهزام والتراجع أمامها.
٦- حصانة علاقته بالمحور الأسيوي، سواء كانت هذه العلاقة قوية أو ضعيفة مع الروس والصين والهند وباكستان، فإن الشيعة في المنطقة علاقتهم مع المحور الأسيوي أقوى من علاقة أمريكا بآسيا، بل إن أمريكا غارقة بالمشاكل مع الروس والصين والهند.
وبهذا فإن أمريكا والكيان الصهيوني يدركون تمامًا قوة الشيعة ويعرفون الحصون القوية المانعة من نجاح مخططاتهم في العراق والمنطقة وإيران، كما أنّ الغرب يدرس بقوة أسباب تأييد الشعب الإيراني، حتى العلماني، للقيادة في إيران، وهو أحد أسباب فشل المخطط الأمريكي.
نعم، قد تحصل محاولات من الغرب وأمريكا لتفكيك العلاقة بين الجمهور الشيعي وقيادته، ولكنهم فشلوا إلى الآن، فإن تمرد جزء قليل جدًا قياسًا إلى حجم وعدد الشيعة الموالين للقيادات، فإن الجزء الأكبر يسير بركب المرجعية العليا.
ومن المثير للتفكير أنّ إحدى الدراسات الأمريكيّة تقول: ((حتى لو تم إسقاط النظام السياسي في إيران، فإن الحكم يبقى بيد الشيعة المتناثرين في الحوزات والمراجع))،ويقول الكاتب إن النظام السياسي والفقهي الشيعي محصن ولا يمكن الحكم عليه كما يُحكم على مادورو في فنزويلا، لأنّ الشيعة في نظر أمريكا منظومة متكاملة عقائديا ومرجعيّا، شيعيا اقتصاديًا وأمنيًا وجغرافيًا.