مشروع الفكر الاسلامي عند السيد الشهيد القائد الخامنئي (رض)

ماجد الشويلي

ينطلق الإمام الخامنئي (دام ظله) في رؤيته للقرآن الكريم من حقيقة أساسية، وهي أن هذا الكتاب العظيم، بما يحمله من غزارة في المعاني وعمق في الدلالات والمقاصد، لا يمكن أن يكون مجرد كتاب وعظٍ وإرشادٍ وهدايةٍ للإنسان في بعده الفردي فحسب، بل هو كتابٌ لبناء الإنسان وصناعة الأمة وإقامة الحضارة.

فالقرآن جاء أولًا لبناء الإنسان؛ لأن الإنسان هو أساس كل مشروع إصلاحي وحضاري. وما لم يُبنَ الإنسان بناءً سليمًا ومتوازنًا، لا يمكن تشييد أي بناءٍ آخر فوق هذا الأساس. فلا يُتصور أن تُناط بالإنسان التكاليف الشرعية، أو يُكلَّف بحمل الرسالة والاستخلاف، ما لم يكن قد تهيأ علميًا وإيمانيًا وأخلاقيًا لتحمل هذه المسؤولية.

ومن هنا، فإن بناء الإنسان هو المنطلق الأول لبناء الحضارة الإسلامية. فالحضارة ليست نتاجًا للمؤسسات أو الوسائل المادية فحسب، وإنما هي ثمرة الإنسان الذي فهم دينه فهمًا عميقًا، واستوعب رسالته، وتحول إلى عنصر فاعل في حركة التاريخ.

ولهذا السبب، ركّز الإمام الخامنئي(رض) في بدايات مشروعه الفكري والتبليغي على بناء الإنسان، فجاءت محاضراته ودروسه منصبة على صناعة الشخصية المؤمنة الواعية، ثم تطورت هذه الرؤية حتى انتهت إلى الحديث عن تأسيس معالم الحضارة الإسلامية الحديثة، بوصفها الامتداد الطبيعي لبناء الإنسان.

ولأن الإنسان كائنٌ مركب، يجمع بين أبعاد متعددة؛ فهو فرد ومجتمع، ودنيا وآخرة، وجسد وروح، فإن البناء القرآني لا يمكن أن يقتصر على جانب دون آخر، بل ينبغي أن يشمل جميع هذه الأبعاد بصورة متوازنة، ليُنتج الإنسان الكامل القادر على أداء رسالته.

وفي مقابل مشروع البناء، يقف المشروع الشيطاني الذي لا همّ له إلا هدم الإنسان وإفساد فطرته وتشويه وعيه. ولهذا ورد في الرواية: ((الإنسان بنيان الله، ملعونٌ من هدم بنيانه))؛ لأن أعظم ما يستهدفه الباطل هو الإنسان نفسه.

ومن هنا يستمر التدافع بين مشروع الرحمن ومشروع الشيطان، وهو قانون إلهي يحكم حركة التاريخ والمجتمعات، كما قال تعالى: ((ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ…)). فالتدافع ليس حالةً عابرة، بل سنةٌ ربانية تحفظ الحياة من الفساد والانهيار.

ولذلك، فإن مشروع بناء الإنسان لا يجوز أن يتوقف، بل ينبغي أن يكون مشروعًا دائمًا ومتواصلًا، ليلًا ونهارًا؛ لأن عوامل الهدم لا تتوقف، ولأن الإنسان نفسه في حركة دائمة، لا يعرف السكون.

ومن هنا جاءت دعوة الإمام الشهيد إلى جهاد التبيين، باعتباره ضرورةً مستمرة لحماية الإنسان من التضليل، وترسيخ الوعي الصحيح، وصيانة الهوية الإيمانية.

فالإنسان لا يقف عند مرتبة معينة؛ فهو في صعود دائم نحو الكمال أو في انحدار مستمر نحو التسافل. ولذلك يحتاج إلى مراقبة دائمة، وإلى تجديد وعيه وبصيرته باستمرار، وهذا هو جوهر جهاد التبيين؛ إذ يحفظ مسيرة الإنسان من الانحراف قبل وقوعه.

غير أن حماية الإنسان لا تتحقق بالوعي وحده، بل تحتاج أيضًا إلى مواجهة القوى التي تعمل على هدم الإنسان والمجتمع، وفي مقدمتها الطواغيت والمستكبرون. ولهذا كان القائد الشهيد يؤكد باستمرار على ضرورة جهاد العدو ومقاومة الاستكبار العالمي، باعتبارهما جزءًا لا ينفصل عن مشروع بناء الإنسان.

إن مواجهة الطواغيت ليست مهمةً ظرفية، بل هي من أهم واجبات المؤمنين في جميع الأحوال، وتتعاظم هذه المسؤولية حين يهيئ الله لهم أسباب التمكين، كما قال تعالى: ((الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)). فالتمكين ليس غايةً في ذاته، وإنما هو وسيلة لإقامة العدل، وإصلاح المجتمع، ومواجهة الظلم.

ولا تقف الرسالة عند حدود إقامة المجتمع الصالح، بل تمتد إلى نصرة المستضعفين، ومقارعة الظالمين، وتحقيق الوعد الإلهي الوارد في قوله تعالى: ((ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض…)).

ومن المرتكزات المهمة في فكر القائد الشهيد أيضًا التأكيد على السنن الإلهية والكونية والتاريخية التي تحكم حركة الأمم والمجتمعات؛ فهي قوانين ثابتة لا تتخلف، تجري في حياة البشر كما تجري القوانين الفيزيائية في عالم المادة. ومن يجهل هذه السنن أو يتجاهلها، فلن يستطيع صناعة التغيير مهما كانت نواياه صالحة.

ولهذا، فإن المشروع الإسلامي لا يكتفي بإقامة الشعائر، كالصلاة والزكاة، على أهميتهما، وإنما يهدف إلى صناعة أمة قوية مهابة، تُلقي الرعب في قلوب الطغاة، وتُفشل مشاريعهم، امتثالًا لقوله تعالى: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة… ترهبون به عدو الله وعدوكم)).

وهكذا تتكامل معالم المشروع القرآني: يبدأ ببناء الإنسان، ويتطور إلى بناء المجتمع، ثم إلى إقامة الحضارة، ويحمي نفسه بالوعي وجهاد التبيين، ويصون وجوده بمواجهة الطغيان، ويسير في كل ذلك وفق السنن الإلهية التي جعلها الله أساسًا لحركة التاريخ وانتصار الحق.

المزيد من المشاركات
اترك تعليقا