تعني الوطنية الشعور بالانتماء إلى الوطن عاطفيًا وقانونيًا وسياسيًا وتاريخيًا في الغالب. وتتمثل معاييرها الإيجابية في حب الوطن نظريًا وعمليًا، والإخلاص له في السلوك داخل البيت والشارع والمحلة والمدرسة والوظيفة، والحرص على سمعته وصورته، والدفاع عن سيادته وشعبه ومقدراته، والمساهمة الجادة في بنائه وإعماره وإصلاح أوضاعه ونظافته ونظامه العام، والالتزام بتطبيق قوانينه وأنظمته.
ولا تتمثل الوطنية في إطلاق الشعارات، وتنظيم التظاهرات، وترديد المقولات النظرية، والصراخ الأجوف في حب الوطن.
وهنا لا بد من الفصل بين كيان الوطن والدولة من جهة، والنظام السياسي والسلطة والحاكم والحكومة من جهة أخرى؛ فالوطن والدولة غير النظام السياسي، وغير السلطة والحاكم. وليست الوطنية الإيجابية، بالضرورة، أن يحب المواطن الحاكم، ويوالي السلطة، وينفذ أوامرهما، سواء أكانت حقًا أم باطلًا.
وهذا التفريق هو منطلق تشخيص طبيعة الوطنية الزائفة؛ فحين تتساوى الوطنية مع الولاء الأعمى أو الإجباري للسلطة وشخص الحاكم، أو الانتماء إلى دين الحاكم ومذهبه، والولاء لأسرته وحزبه، وتنفيذ أوامر السلطة في الباطل، أو فيما يتعارض مع هوية الوطن وعقيدة المواطن ومصلحة الدولة؛ فإنها تصبح وطنية سلبية زائفة ومدمرة.
والسبب أن المعيار فيها لا يعود الانتماء إلى الوطن وحبه والولاء له، وإنما الانتماء إلى السلطة وأيديولوجيتها ومذهبها وحزبها وحاكمها.
ومن الأمثلة المعاصرة على الوطنية السلبية القومية الفاشية المتطرفة التي جسدها بينيتو موسوليني، والسياسات القومية التوسعية والتدخلية التي ارتبطت بعهد الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت.
أما المثال الأقرب إلى العراقيين فهو الوطنية البعثية؛ فقد كانت الوطنية العراقية، في ظل حكم البعث، تعني الولاء للحزب والنظام، ثم انحصرت في الولاء الأعمى لرئيس النظام صدام حسين وأسرته.
وكانت الوطنية، وفق مفهوم النظام، تعني تنفيذ أوامر صدام فورًا ومن دون نقاش، مهما كانت طبيعتها. فمن يؤيد سياسات النظام ويشارك في اضطهاد المعارضين واعتقال المواطنين الشيعة والأكراد وتعذيبهم وإعدامهم، وقصف المدن وتهجير السكان ومصادرة أموالهم وإسقاط حقوقهم، يُقدَّم بوصفه «الوطني»، فيما يُتهم الرافض أو المعارض بالخيانة.
وهكذا، فإن من شارك في حروب النظام ضد إيران والكويت، وأيد احتلال الأراضي وقتل الشعوب وازدراءها، ودعم ذلك بالقول والفعل والشعر والغناء، كان يُصنف وطنيًا وفق مقاييس السلطة. أما من رفض تلك السياسات، أو كانت له وجهة نظر مغايرة لأسباب إنسانية أو دينية أو سياسية، فكان يُتهم بخيانة الوطن.
فمعارضة صدام، أو الاعتراض عليه، أو عدم تنفيذ رغباته، كانت تساوي في خطاب النظام خيانة العراق، بعدما فرض على الوطن والمواطن مفهومًا أيديولوجيًا مطلقًا خلاصته أن صدام حسين هو العراق والوطن، وأن عائلته تمثل الدولة، وأن حزب البعث هو السلطة والحكومة.
وكان كل من يعترض على صدام أو أسرته أو حزبه، حتى في النية، معرضًا للاتهام بالخيانة، وما يترتب عليها من تعذيب وإعدام وإسقاط للجنسية وحرمان من حقوق المواطنة.
ولا يقتصر هذا المفهوم على العراق، بل لا يزال قائمًا في عدد من البلدان العربية والإسلامية؛ فمن لا يوالي الحاكم أو الأسرة الحاكمة يُتهم بأنه ليس وطنيًا، لأن الوطن، وفق هذا التصور، يختزل في الحاكم وعائلته، ويصبح معيار الوطنية هو الولاء الأعمى للسلطة.
والمفارقة أن بعض العراقيين ورثوا هذا المفهوم بعد سقوط نظام صدام وحزب البعث؛ فأنصار هذا الزعيم أو ذاك القائد قد يرون أن من يعارض زعيمهم، أو يختلف معه سياسيًا، ليس وطنيًا، لأن الوطن تجسّد، في نظرهم، في شخص ذلك الزعيم أو القائد.
كما تواصل بعض الخطابات والشخصيات الطائفية التشكيك في وطنية الشيعة وعراقيتهم، استنادًا إلى أسباب سياسية وطائفية مركبة. وهذا يمثل نموذجًا للوطنية الزائفة السلبية، في مقابل الوطنية الإيجابية الطبيعية والفطرية والإنسانية، المنفصلة عن السلطة والحاكم والانتماء الطائفي.
أما النوع الثاني من الوطنية الزائفة، فهو وطنية الشعارات والتظاهر بحب الوطن، مع تخريبه والإضرار بشعبه وسمعته في الواقع العملي.
ويمارس هذا النوع من الوطنية الزائفة المسؤول والسياسي ورجل الأعمال والزعيم العشائري والموظف والمواطن العادي، ويكون حجم الضرر الذي يتسبب فيه كل واحد منهم متناسبًا مع حجم مسؤوليته وموقعه وتأثيره.
فالمسؤول الذي يرفع علم الوطن ثم يسرق أمواله ليس وطنيًا، والسياسي الذي يتغنى بسيادته ثم يرهن قراره للمصالح الخارجية ليس وطنيًا، ورجل الأعمال الذي ينهب موارده أو يفسد مؤسساته ليس وطنيًا، والمواطن الذي يخالف قوانينه ويضر بممتلكاته العامة لا تكفيه الشعارات لإثبات وطنيته.
إن الوطنية الحقيقية ليست ادعاءً، ولا هتافًا، ولا صورة مع العلم، ولا ولاءً لشخص أو حزب أو طائفة، وإنما هي سلوك يومي ومسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه الوطن وشعبه ومؤسساته.
وحين يصبح الحاكم بديلًا عن الوطن، والسلطة بديلًا عن الدولة، والحزب بديلًا عن الشعب، تتحول الوطنية إلى أداة للابتزاز والتخوين والاستبداد.
أما الوطنية الإيجابية، فهي أن تحب وطنك من دون أن تؤله حاكمه، وأن تحمي دولته من دون أن تبرر أخطاء سلطته، وأن تدافع عن شعبه من دون تمييز، وأن تعارض الظلم والفساد لأنهما يهددان الوطن، لا لأنك تقف ضد شخص أو حزب بعينه.