عظم الله لكم الأجر أيها المسلمون بشهادة وليكم
اصعب اللحظات هي تلك التي تحمل فيها قلمك بالساعات دون ان يخط كلمة وكأنه يأبى ان يشاركك حزنك .. لانها اكبر من ان يستطيع التعبير عنها بالكلمات .. فيصمت !.
كلما اشتد الحزن على قلوبنا .. وضاقت بنا الدنيا .. نشعر بحاجة قاتلة لتلك الروح النقية .. التي لطالما حملت همومنا بلسماً لكل جروحنا .. إليك سيدنا !
ولطالما شكونا لك عظم همومنا .. وقسوة احزاننا .. لكننا لم ننتبه يوماً ان الموت اعظم واشد قسوة .. فكنتَ شهيدنا .
سيدنا : كثيراً ما تتوقف اللغة عن إنجاب الكلمات ، لأننا نبحث عن عبارات جديدة لم يكتبها أَحد لأحد .. لنهديها مع خالص الحب والاحترام لأشخاص مثلكم نرى أنهم أهل لها ، ولنبتكر لهم عبارات تليق بمكانتهم في قلوبنا .. وعندئذٍ نكتشف أنهم أكبر من كل الكلمات وأعمق من كل اللغات .. فأنا لا أريدُ لكلمَاتي أن تصِل إليكِ ، بلْ أريدُها أن تصِلَني بِكِ .
فهل الشهادةُ موتٌ ؟ إني على يقين هو خلاف ذلك وفق ذهني المتواضع وبما صرّحت آيات القرآن الكريم (أحياء عند ربهم) ، فما معنى الموت إذن ؟ .
في عقيدتي أن فِراق الاحبة أمرُّ من الموت نفسه ، وخاصة إذا كان الحبيب شهيداً ، عندئذٍ تصرخ المرارة بألف لسان من الحزن .
بالأمس صورة شهيدنا الإمام تتفاخر لناظرنا لأنه أنار لنا طريق الآخرة .. وبقينا نعوم في أمواج من العتمة الأرضية .
أكتب عن الشهيد الإمام ويدي ترتجف كمداً ، لأني أستعظم بطولاته فتهون عليّ حياتي.
نحسب أنفسنا أحياء وهو ميت !! بينما الحقيقة أننا نحيا لنموت .. وهو مات ليحيا !!.
إننا نمارس الحياة بوتيرة خاطئة من الرغبات والاحتياجات .. وشهيدنا أحب بموته الخلود الذي نرغب فيه ونحن ضعفاء أغبياء مغفلون .
إن الشهيد إنما رغب عن هذه الدنيا وإنتقل إلى جوار ربه مرزوقاً ، لأنه يريد أن يوجهنا إلى أن هناك علياءً يجب أن نسلكها مهما أوجعك الناس .
الشهيد ضمَرَ في نفسه نفوراً من الدنيا الفانية ، التي نلهج فيها ونصول وكأننا لا نموت فيها ، بالرغم من أننا سائرون إليها شأنا ام أبينا .
الشهيد حارب الأحلام الوردية التي تصنعها الحياة ، ولم يلتفت إليها .. واختار الشأن الذي إدخره الله له حيث كنوز الرحمن الرحيم .
يعتقد أحد العلماء أن الجنة زمانٌ وليس مكاناً .. أي أن القرب من الله منزلة زمانية وليست مكانية .. فاختار الشهيد بشهادته المنزلة الزمانية على المنزلة المكانية ، ونِعمَ الاختيار .
الشهادة ابتعادٌ من الخوف حد الإرتماء عليه وفيه ، لقول الإمام علي (ع) : من خاف من شيء هرب منه ومن خاف الله هرب إليه .
في اعتقادي أن الشهادةَ إختيارٌ ، وأن الحياةَ إجبارٌ .. وشهيدنا اختار ، ونحن مجبرون .. فمتى نصل إلى اختيارهم ؟ ومتى نفهم اجبارنا ؟ .. فتلك ميّزة الشهداء ونِعمَ الميّزة .. وهذه منزلة الأحياء ، فهل أنتم منتهون ؟.
أقولها صريحة تُدمغ العقولُ والافهامُ : الشهداء حقاً لا يرحلون منا ، بل يسكنون عند أطراف ألسنتنا فيظهرون عند أول لفظة رحمة عليهم ، وعند آخر رحمة لنا بعدهم .
لا يستطيع هذا القلم الأصمّ أن يكتب عن شهيدنا الإمام .. وهل رأيتَ ميتاً يكتب عن حيٍّ .. كان حيّاً بأمر ربه ، وأصبح حيّ عند ربه .
سيدنا : نظرتُ إلى صورتك فشعرتُ أن كلماتي إختنقت ، أو أن إختناقي تكلّم ، فأرغمَ سكناتي على الإرتجاف .. إرتجاف الجبن وليس إرتجاف الضعف .. لأن الله سبحانه اشترى منك نفسك ، وبقينا ننوء بزمن مُباعٍ .
يقول الإمام الكاظم (ع) : لن تكونوا مؤمنين حتى تعدّوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة ، وذلك أن الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء .
فالبعض تعيش معه عمراً ولا تذكر منه لحظة . والبعض تعيش معه لحظة تذكره طول العمر ، لأن الذي يحتل القلوب هي (المواقف) وليس (الزمان) .
سيدنا : عُدتُ أنظر إليك لأرتوي من صورتك قبل أن تتلاطم أنفاسي بين ضلوعي .. فكانت كلماتي تصنع حياتين ، حياة هذا الكاتب ، وحياة ذلك الشهيد السعيد .
فالعظيم ليس ذلك الشخص الذي تشعر معه أنك صغير ، بل العظيم الذي تشعر معه أنك عظيم وأنت تحت رايته .. فلا تلوموني على شعوري هذا أمام شهيدنا السيد الإمام.
سيدنا : كنا معك منتصرين بالحق .. وبقينا بعدك منتظرين له .
نُصرة الحق ليست شعاراً ، بل موقفاً وثباتاً .. فحين نذكر الإمام المهدي (عج) ، فإننا لا ننتظر يوم الظهور فقط ، بل نُعِدُّ أنفسنا من الآن لنكون من أنصاره .. قال الإمام جعفر الصادق (ع) : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ ، وَلْيَعْمَلْ بِالْوَرَعِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ» .
فالإنتظار ليس سكوتاً ، ولا أمنياتٍ تُقال ، إنما هو إصلاح نفس ، وثبات على الحق ، ورفضٌ للظلم مهما كان صغيراً .
لسنا منتظرين فقط ، بل ومُستعدّون .. فإذا تأخّر الظهور فلن يتأخر ثباتنا .. وإذا كثُر الباطل فلن نقلّ عن الحق .
وانتظارنا عملٌ ، وثباتٌ ، وكلمة حق لا تموت .
يقول سيدنا الإمام الشهيد :
(حين يقال إن الدم انتصر على السيف في عاشوراء وفي واقعة كربلاء – والحق أنه انتصر – فالعامل والسبب في هذا الانتصار هو السيدة زينب . وإلا فالدم انتهى في كربلاء واختتم الحدث العسكري بالانكسار الظاهري لقوات الحق في ساحة عاشوراء ، لكن ما جعل هذا الانكسار العسكري الظاهري يتحول إلی انتصار حاسم دائم هو خصال السيدة زينب الكبرى والدور الذي اضطلعت به . هذا شيء على جانب كبير من الأهمية . هذا شيء دل على أن المرأة ليست على هامش التاريخ بل هي في الصميم من أحداث التاريخ المهمة) .
سيدنا : قلوبنا مليئة برسائل لم تكتب .. وإن كُتبت لن ترسل .. وإن أُرسلت لن تصل .. وإن وصلت لن تُقرأ .. وإن قُرأت لن تُفهم !!
النصرة لا يحدها زمان ولا مكان ، فأم البنين (عليها السلام) لم تحضر واقعة الطف .. ولكنها نصرت الإمام الحسين (عليه السلام) بأن هيأت له من يفدونه بالأرواح .. وكذا نحن بالنسبة لإمامنا صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه) فقد لا نتمكن من إدراك زمن ظهوره المبارك لأجل نصرته .. فلِمَ لا ننصره من زماننا هذا ومن مكاننا هذا بأن نعد له من يفدونه بالأرواح .. وكان سيدنا الإمام الشهيد عنواناً لذلك .
عن مسعدة ، قال : كنت عند الصادق (عليه السلام) إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى متكئاً على عصاه ، فسلم فرد عليه أبو عبد الله (عليه السلام) السلام ، ثم قال : يا بن رسول الله ، ناولني يدك لاقبلها . فأعطاه يده فقبلها ثم بكى ، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) : ما يبكيك يا شيخ ؟ .
فقال : جعلت فداك ، أقمت على قائمكم منذ مائة سنة ، أقول : هذا الشهر ، وهذه السنة وقد كبر سني ورق جلدي ودق عظمي واقترب أجلي ، ولا أرى فيكم ما أحب ، أراكم مقتولين مشردين ، وأرى أعداءكم يطيرون بالأجنحة ، فكيف لا أبكي ؟! فدمعت عينا أبي عبد الله (عليه السلام) ثم قال : يا شيخ ، إن أبقاك الله حتى ترى قائمنا كنت معنا في السنام الأعلى ، وإن حلّت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثقل محمد (صلى الله عليه وآله) ، ونحن ثقله ، قال (صلى الله عليه وآله) : إني مخلف فيكم الثقلين فتمسكوا بهما لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي .
فقال الشيخ : لا ابالي بعد ما سمعت هذا الخبر .
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين .